كريم نجيب الأغر
140
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
كيف تتم عملية الانصهار ؟ . والحاصل أن نواة نطفة الرجل ونواة نطفة المرأة تقتربان من بعضهما بعد أن يلج الحيوان المنوي في البويضة ، وعند التقاء النواتين يتفكك غشاؤهما النووي وتنصهر النواتان . يقول الدكتور لارس هامبرغر في هذا المضمار : « إن النواتين ( نواة البويضة ونواة الحيوان المنوي ) تجذبان بقوة فيما بينهما وبعد قليل تنصهر » « 1 » . ومما يعزز معنى الانصهار قوله تعالى : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [ عبس : 19 ] ، هذه الآية تشير إلى البداية الإنسانية . فباختلاط الحيوان المنوي بالبويضة يتحقق خلق إنسان جديد لأن جميع الخطوات التالية ترتكز على هذه الخطوة وتنبثق منها ، فهذه الخطوة الأولى لوجود مخلوق جديد . يتبع دخول الحيوان المنوي في البويضة انصهار نواة النطفتين ، وفي هذه العملية تتحدد الصفات التي ستظهر في الجنين في المستقبل ، كما أنه يتقدر فيها جنس الجنين ، لذلك قال تعالى : فَقَدَّرَهُ بعد ما قال : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ : فالخلق أولا ، والتقدير ثانيا . تجدر الإشارة هنا إلى أن وضع حرف « الفاء » بين الفعلين « خلقه » و « قدره » هو للإشارة إلى سرعة العملية ( فهذه العملية تستغرق أقل من 30 ساعة ) . إن حرف « الفاء » يفيد الترتيب مع التعقيب كما سنرى في المراحل الآتية ( انظر إلى مبحث « الأسلوب القرآني في استخدام حرفي « ثم » و « الفاء » في آيات علم الأجنّة » ) وذلك للدلالة على سرعة العمليات التي ستحصل بعكس حرف العطف « ثم » .
--> - السامعين معنى الآية بعقولهم ، وذلك بأن يشير ضمير الفاعل - أو المفعول به ، أو نحوهما - في الآية المعتبرة إلى فاعل - أو مفعول به ، أو نحوهما - آخر من جنسه حتى تصبح الآية مفهومة ، وهذا هو المراد أيضا في سورة الفرقان واللّه تعالى أعلم . حيث إن الاستخدام في هذه الآية ، مع إفادته الإيجاز ( وذلك بأن لا يصرّح بذكر المنطوي تحت المذكور ، وإنما يكتفي بضميره ) ، فإنه يقدّم لكل عصر ، وطبقة من المجتمع ، إمكانية فهم الآية حسب إمكانياتهم الفكرية ، وما آلت إليه علومهم لفقدان التصريح بالمنطوي عنه ، فيفتح بذلك المجال للتأويل المحدود ؛ فهو في هذه الحالة يجمع ثقة السامعين بتصوّرهم إيّاه على ما يعرفونه من النسب والصهر ( وذلك بصرف ضمير « فجعله » « لبشرا » ) ، كما أنه يجمع إلى ذلك فهم علماء الإعجاز العلمي لمعناه على ما قدّمته آنفا ( وذلك بصرف ضمير « فجعله » الذي يشير إلى نوع معيّن من الماء - ماء الرجل وماء المرأة - إلى جنس الماء العام الذي ينطوي تحته ) . ( 1 ) كتاب ولد طفل ، د . لارس هامبرغر ، ص 56 .